المنجي بوسنينة
44
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
أن قائل هذا الشعر يثبت على القديم ، وإن أخذ بنصيبه من الجديد ، وحرص على انتسابه إليه حرصه على انتسابه للقديم . والواقع أن ما أشار إليه العقاد نثرا في تحديده لملامح التجديد في المدرسة التي ينتمي إليها علي الجارم ، يقترب إلى حد بعيد مما أشار إليه الجارم نفسه شعرا ، وهو ينعى على المنبهرين بأدب الغرب ، والذين يكادون يمسخون الأدب العربي من خلال الإيغال في تقليد الآداب الأجنبية ، دون مراعاة لطبيعة كل أدب ، قائلا : سكت العندليب في وحشة الدو * ح وغنّت نواعق الغربان جلبوا للقريض ثوبا من الغر * ب ولم يجلبوا سوى الأكفان ثم قالوا مجدّدون ، فأهلا * بصناديد أخريات الزمان لا تثوروا على تراث امرئ * القيس وصونوا ديباجة الذبياني واتركوا هذه المعاول بالله ، * فإنّي أخشى على البنيان واحفظوا اللفظ والأساليب والذوق * وهاتوا ما شئتم من معاني ما لسان القريض من عربي * كلسان القريض من طمطماني وجهة الشرق غيرها وجهة الغر * ب فأنّى ، وكيف يلتقيان ؟ ! وإذا كان الجارم من خلال وسطية التجديد ، قد استطاع أن يوجد مذاقا خاصا لشعره ، فإنه من خلال مواهبه الأخرى ، قد استطاع أن يفسح كذلك مكانا في آذان وقلوب آلاف المستمعين ، وذلك من خلال موهبة الصوت الجهوري والإلقاء المنغم المحكم الذي كان يملكه الجارم ، وكان يشكّل ركنا هاما من أركان قبول الشاعر لدى الجمهور الذي تعوّد على أن الشعر « إنشاد وإنشاد » وأن متعة قراءة القصيدة ، لا تغني أبدا عن متعة سماعها من صوت معبّر ، وكان العصر في حاجة إلى تلك الموهبة ، قبل شيوع مكبرات الصوت ، ودخول الإذاعة المسموعة ثم المرئية ، وقد كان شائعا أن يقارن الناس في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين في مصر ، بين الشاعرين الكبيرين شوقي وحافظ من حيث طريقة الإلقاء ، وكان حافظ يحتفظ بالسبق عادة من خلال صوته الجهوري وإيقاعه المنظم ، فإذا اشتركا في محفل واحد ، خرج الناس أكثر إعجابا بإلقاء حافظ وإن راجعوا أنفسهم في اليوم التالي ، بعد نشر القصائد ، فيجدون أنفسهم أكثر ميلا إلى نص شوقي . وفي هذا المناخ ، ظهر علي الجارم بمواهبه الإلقائية ، وزحف إلى المنتديات الشعرية يشارك فيها على هامش الكبار ، فنال الإعجاب ، ولفت نظر أمير الشعراء ، الذي رأى في صوت الجارم ، حلا للتنافس غير المتكافئ في الإلقاء مع حافظ ، فأخذ يسند إليه إلقاء معظم قصائده في المحافل العامة ، ومن هنا اتّسعت شهرة الجارم ، وبات مألوفا أن يقال عنه ، إنه من أبرع من يتصدّون لإلقاء الشعر في المحافل ، كان يلقي في المحفل الواحد أحيانا قصيدتين واحدة لأمير الشعراء وأخرى له ، مما كان يدفع بالغيرة أحيانا إلى